الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
139
مختصر الامثل
ومن جهة ثالثة ، لا يحق للطرفين بعد العفو وأخذ الدية التعدي ، خلافاً للجاهليين الذين كانوا يقتلون القاتل أحياناً حتى بعد العفو وأخذ الدية . الآية التالية قصيرة العبارة وافرة المعنى ، تجيب على كثير من الأسئلة المطروحة في حقل القصاص ، ويقول : « وَلَكُمْ فِى الْقِصَاصِ حَيَوةٌ يَا أُولِى الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ » . هذه الآية تبين أنّ القصاص ليس انتقاماً ، بل السبيل إلى ضمان حياة الناس . هل انتقص قانون القصاص المرأة ؟ قد يظن البعض أنّ قانون القصاص الإسلامي قد انتقص المرأة حين قرر أنّ « الرجل » لا يقتل « بالمرأة » ، أي إنّ الرجل - قاتل المرأة - لا يقتص منه . وليس الأمر كذلك ، ومفهوم الآية لا يعني عدم جواز قتل الرجل بالمرأة ، بل يجوز لأولياء المقتولة أن يطلبوا القصاص من الرجل القاتل ، بشرط أن يدفعوا نصف ديته . ولمزيد من التوضيح نقول : الرجال يتحملون غالباً مسؤوليات إعالة الأسرة ، ويؤمنون نفقاتها الاقتصادية ، ولا يخفى الفرق بين أثر غياب الرجل وغياب المرأة على العائلة اقتصادياً ، ولو لم يراع هذا الفرق لُاصيبت عائلة المقتص منه بأضرار مالية ، ولوقعت في حرج اقتصادي ، ودفع نصف الدية يحول دون تزلزل تلك العائلة اقتصادياً . كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ ( 180 ) فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ( 181 ) فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفاً أَوْ إِثْماً فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 182 ) الوصية بالمعروف : الآيات السابقة ذكرت تشريع القصاص ، وهذه الآيات تذكر تشريع الوصية ، باعتباره جزءاً من النظام المالي ، وتذكر بأسلوب الحكم الإلزامي فتقول : « كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ » . ثم تضيف الآية أنّ هذه الوصية كتبت « حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ » . جاء في الآية الكريمة بشأن كتابة الوصية كونها « حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ » من هنا قيل إنّها مستحبة استحباباً مؤكداً ، ولو كانت واجبة لقالت الآية « حقّاً على المؤمنين » .